لماذا يخلق الله الآلام والأمراض؟ وهل يجب عليه عوض في هذا؟

نظرة في منهجية التفكير بين مدرستين. 

سلسلة حلقات جولة في فكر القاضي عبد الجبار

بقلم د. محمد رياض 

 

تذهب معظم المدارس الإسلامية الكلامية إلى أن الله تعالى خالق الأنفس والمتصرف فيها، وبالتالي فهو لا يسأل عما يفعل من ألم وإبتلاء بالمكلفين. بينما ترفض المدرسة الإعتزالية هذا القول جملة وتفصيلاً، وتقول بوجوب العوض على الله تعالى حين فعله للألم والمرض في أجساد من خلق من المكلفين. وإنما إختلف متكلموا المعتزلة حول علة فعله تعالى للآلام وعلة إستحقاق العوض، وعلة وجوب الشكر عليه.

رأي أبي علي الجبائي:

ويستعرض القاضي أراء أساتذة مدرسة الإعتزال في هذه القضية في كتابه "اللطف" فيقول (وإعلم ان شيخنا ابا علي "الجبائي" رحمه الله عند السؤال الذي أوردناه أجاب: بأن ما يفعله الله من الأعواض بالمؤلم لا يحسن أن يبتدىء به، وأجراها مجرى الثواب، فإذا حسن منه أن يكلف لأجل الثواب حسن منه ان يؤلم لاجل العوض) فجعل الجبائي بذلك علة حسن فعله تعالى للألم، وجوب العوض عليه، لأنه لو لم يكن العوض واجباً عليه لخرج فعل الألم عن أن يكون حسناً ولزم ان يكون قبيحاً والله تعالى منزه عن فعل القبيح.

رأي أبي هاشم الجبائي:

يقول القاضي في نفس المصدر: (والذي يسلكه شيخنا أبو هاشم الجبائي رحمه الله في ذلك هو أنه تعالى يفعل الآلام للعوض والإعتبار جميعاً، فيخرج بمجموعهما من أن يكون قبيحاً لإنتفاء كونه ظلماً وعبثاً.) والمعنى انه تعالى يفعل الآلام لمصلحة بالمكلفين يعلمها، ومع ذلك فيجب عليه العوض للمتألم لأنه تسبب له في معاناة كان يقدر أن لا يحدثها فيه. وبالتالي فإن الجبائي يزيد عنصراً لتحسين وقوع الآلام منه سبحانه على المكلفين وذلك لكونها مصلحة لهم إلى جانب وجوب العوض لفعلها بهم.

رأي القاضي عبد الجبار:

وبعد إستعراض هذه الأراء، يطرح القاضي تصوره هو فيقول: (وإعلم أن الصحيح في هذا الباب، أن الله تعالى يفعل الآلام لكونها مصلحة لا لإجل العوض، وإن كان لابد من أن يتضمن عليها، وذلك أن هذه الآلام واجب على الله تعالى أن يفعلها لشيء يرجع إلى التكليف...فإن قيل، وما الفرق أن يقال أنه تعالى يفعله لأجل العوض..وبين أن يقال يفعله لكونه إعتباراً بشرط أن يتضمن العوض؟...قيل له لأن من حق الواجب أن يفعله من وجب عليه لما له وجب، ومتى فعله لا لهذا الوجه لم يحسن)

ومعنى كلام القاضي: أن الله تعالى يفعل ما يفعل بالإنسان من تكليف واحوال لمصلحة يقتضيها هذا التكليف ولا يصلح إلا بوجودها، وبالتالي فهي مصلحة واجبة وليست مما يتخيره الله لعباده من لطف، ووجوبها هو لكونها مصلحة للتكليف وهذا هو سبب حسنها وإنتفاء صفة القبح الذاتي عنها، وإنما لزم ضمان العوض عليها للمكلفين حتى يصبح الشكر والحمد مستحقاً، لان المعتزلة تقول إن الشكر والحمد لا يستحق لفاعل الواجب اللازم وإنما يستحق على اللطف، ولهذا علمنا بوجوب وجود عنصر العوض لأنه تعالى أمرنا بالشكر عليها، ولو لم يكن هناك عوض لانتفى داعي الشكر.

وأياً ما كان من أمر، فإن المراد من هذه الخاطرة هو تبيان الفرق في منهجية التفكير بين أتباع مدرستين في تاريخنا.